حبيب الله الهاشمي الخوئي

26

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

كثفها وعقدها ماء يكون محسوسا ونزل نزولا متفرّقا لا يحسّ به إلَّا عند اجتماع شيء يعتدّ به ، فإن لم يجمد كان طلَّا ، وإن جمد كان صقيعا ونسبة الصقيع إلى الطلّ نسبة الثلج إلى المطر وامّا أن تكون السحاب من انقباض الهواء وذلك عندما يبرد الهواء وينقبض وحينئذ تحصل منه الأقسام المذكورة والجواب انّا لما دللنا على حدوث الأجسام وتوسّلنا بذلك إلى كونه قادرا مختارا يمكنه ايجاد الأجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه ، لاحتمال أنّه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه ، وأيضا فهب أنّ الأمر كما ذكرتم ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بدّ لها من مؤثر ، ثمّ إنّها متماثلة فاختصاص كلّ واحد منها بصفة معينّة من الصعود والهبوط واللَّطافة والكثافة والحرارة والبرودة لا بدّ له من مخصّص ، فإذا كان هو سبحانه خالقا لتلك الطبايع وتلك الطبايع مؤثّرة في هذه الأحوال وخالق السّبب وخالق المسبّب فكان سبحانه : هو الذي يزجى سحابا ، لأنّه هو الذي خلق تلك الطبايع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جوّ الهواء ، ثمّ إنّ تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض فهو سبحانه هو الذي : جعلها ركاما ، فثبت على جميع التقريرات أنّ وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر بيّن انتهى وتحقيق المقام هو ما ذكره بما لا مزيد عليه وأقول : دلائل القدرة في خلق السحاب مضافا إلى ما ذكره هو أنّ الماء بطبعه ثقيل يقتضي النزول فبقاؤه في الجوّ خلاف الطبع ، ولذلك إذا انفصل منه قطرة نزلت دفعة فلا بدّ من قادر قاهر يمسكه في الجوّ على ثقله بقهره وقدرته وأيضا ، لو دام السحاب لعظم ضرره حيث يسترضوء الشمس وتكثر الأمطار وتبتلّ المركبات فتفسد ، ولو انقطع لعظم ضرره لافضائه إلى القحط فيهلك المواشي والانسان ، فكان تقديره بالمقدار المعلوم مقتضى الحكمة والمصلحة